فوزي آل سيف
10
فقه العلاقات الاجتماعية
و يستفاد من الآية الحاضرة أنّ هذا العمل القبيح ينتهي- من الناحية التاريخية- إلى قوم لوط، و كانوا قوما أثرياء مترفين شهوانيين، سنذكر أحوالهم بالتفصيل في السور التي أشرنا إليها إن شاء اللّه تعالى. و في الآية اللاحقة يشرح المعصية التي ذكرت في الآية السابقة و يقول: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ. و أي انحراف أسوأ و أقبح من أن يترك الإنسان وسيلة توليد النسل و إنجاب الأولاد، و هو مقاربة الرجل للمرأة، و الذي أودعه اللّه في كيان كل إنسان بصورة غريزية طبيعية، و يعمد إلى «الجنس المماثل»، و يفعل بالتالي ما يخالف- أساسا- الفطرة، و التركيب الطبيعي للجسم و الروح الإنسانيين، و الغريزة السوية الصحيحة، و تكون نتيجة عقم الهدف المتوخى من المقاربة الجنسية. و بعبارة أخرى: يكون أثره الوحيد، هو الإشباع الكاذب و المنحرف الجنسية، و القضاء على الهدف الأصلي، و هو استمرار النسل البشري. ثمّ يقول تعالى في نهاية الآية: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أي تجاوزتم حدود اللّه، و وقعتم في متاهة الانحراف و التجاوز عن حدود الفطرة. و يمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى أنّهم لم يسلكوا سبيل الإسراف في مجال الغريزة الجنسية فحسب، بل تورطوا في مثل هذا الانحراف و الإسراف في كل شي، و في كل عمل"[41]. بل إن دعوة الأنبياء العقدية بالإيمان بالله حيث لا إله غيره كانت مقترنة بالدعوة إلى الإصلاح ، وترك الفساد بشتى صوره ، ومبررات ذلك أن الله بعدما خلق لهم هذه الأرض جعلهم فيها خلفاءه ، وطلب منهم إعمارها وإحياءها ، فلا يصح بعد ذلك أن يقوموا بإفسادها ، وتدميرها .. هاهو نبي الله صالح يبين لقومه هذه الفكرة بوضوح " وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا "[42] . لا تدمروا الأرض ولا تخربوها استثمروها في طريق عبادة الله لا تكفروا بنعمة الله التي جعلها على هذه الأرض ولكن اعقد ذلك الأمر فساد من قبلهم وتحدوا حتى بذلك المقدار " فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ "[43]، وكذلك نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأتي برسالة ويقول قولوا لا إله إلا الله تفلحوا مطلقاً في هذه الأيام بعد أربعين سنة بعد مائة سنة ويوم القيامة وتدخلوا الجنة وغنما يحصل لكم الفلاح " وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا "[44]، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ " متى ؟ " إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ " [45]، يعطيكم الحياة والتقدم والبناء ، وما به قوام حياتكم يرشدكم إليه رسول الله . هذه النظرية الثانية هي التي تشير إليها آيات القرآن الكريم، بل جاءت بها ديانات السماء قائلة إنه إضافة إلى العقائد والنظام الأخلاقي يوجد هناك قانون تشريعي يرسم الخريطة الصحيحة لبناء المجتمع . وهذا ما لم يفهمه قسم من الكفار لذلك وقفوا يحتجون على الأنبياء، فهاهم قوم شعيب يقولون له :قلت لنا عبدوا الله ! حسناً سنعبد الله فما ربط عبادة الله بالموازين والقسط ؟!! " قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء " [46]. نحن نريد أن نتصرف في أموالنا كيفما نشاء ـ نرابي ونطفف ونقامر - فما ربط الصلاة في الأموال ؟ وهل تستطيع صلاتك أن تلغي تاريخنا كله وعاداتنا الاجتماعية ، وتسلب منا حريتنا في
--> 41 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج5، ص: 107 42 ) هود 61 43 ) الجن 16 44 45 ) الأنفال 24 46 ) هود87